هــــوس لـ عصام الدين محمد أحمد

نيسان ـ نشر في 2015/11/28 الساعة 00:00
يكوي شرر الصيف الجباه، تكفهر الوجوه ضيقاً ، يتماوج غناء عم " سيد " : أحسبك ملاكا .. طلعت شيطانا . تزحف عربة النقل المُتطرحة جبل البطيخ مُتراجعة. تركن في جلبة الزحام ، بشتت( جمال) المُلتفين حول المغنى ، تتكاثف الأصوات الزاجرة ، يتناقل المعلم عبد العال- الشهير بالعُمدة – نظراته يميناً ويسارا ، يُلاحظ تعتيق العربة، يتقافز جمال مُُراقباً التهاون، لم يتريث " عطوة " لحين انصراف السيارة يعتقد أن الطريق يتسع لانسلال عربة الطماطم الحُبلي، أخطأ السائق التقدير، يعافر ؛ دهس كومة البطيخ الشُرُك ، يسعى العُمال لاحتواء الأزمة ، لمح العُمدة آيات الهرج والمرج والتعصُب المكظوم ؛ نهض مُستكشفاً باعث الهمهمات ؛ راعه مشهد دماء البطيخ المُتراشقة . سأل السائق : طماطم من هذه ؟ ؟ نفخ " عطوة" أوداجه ، نفش ريشه صائحاً نيابة عن السائق : الحاج عُمران . شب جمال قابضاً على رقبته المعروفة ،أهتاج العُمدة صفع عطوة بجنون ، أمر بحبسه في غـُرفة الميزان جزاءاً وفاقاً ، زاحمته المشاهد : { نسر أنهكه الطيران ينتحي أسفل شجرة ، يلتقط أنفاسه ، يناوشه عصفور منسول الريش ، لا يلقي إليه بالاً ، يتمرجح متنمرا، يفاجئه ، يسحل عينيه ، تزقزق العصافير شامتة .} ألتف الرجال حول سيارة الطماطم، أشبع جمال السائق ركلاً ، ألهب العُمال بسياط الانفعال ، دشن العُمال أهرامات البطيخ ، شخط العُمدة آمراً رجاله بإنزال أقفاص الطماطم ودلقها ، يتجمهر المتفرجون . صعد أحدهم العربة ، دهك – في لمح البصر – أطنان الطماطم .. يهرعون لجلب الأسلحة تأهباً . يستنهضون الجنازير والسيوف والنوابيت وصناديق المياه الغازية ، ينصبون المتاريس ، ينتشرون فوق العنابر ، يستدعي العُمدة أخوته تدعيماً ؛ يرتج السوق ، تتحزب الطوائف ، تنفض المزادات ، تشرئب الأعناق ، لم يجرؤ أصحاب البزات الرسمية على الاقتراب من عرين العُمدة، تباطأ الزمن ، تزيت الحياة رداء اختبار الوجود ، يٌطبق صمت مٌـتقلقل ، يتأد الحاج " عُمران " الخُطى ، يتوكأ على عصاه الغليظة المعقوفة ، تزدرد الحناجر أرهاصات التحفُز تعلو وجه ابتسامة فاترة، تكدرها صفرة المرض، تراوده حكاية : { النسر المُنبعج لا يستطعم إلا العصافير ، هجرت العصافير الأغصان ، سكنت الكهوف ، أضحت القرية عش مهول للنسر } تتململ الأيادي ، يحاذي العُمدة ، تـُحف السبابات أزناد الطبنجات، تنتصب الشماريخ ، تضوي السكاكين ، يجُر أحد الكراسي الخشبية ، كرجت حباب مسبحتة الكهرمان ، يحث العُمدة على القعود ؛ تهدأ الأنفس الواجفة ، مازال المُسدس يقظاناً ، يقر الحاج " عُمران " : - نحن أبناء عمومة لجد واحد . بهت العُمدة، تأمل الوجوه المُحيطة ، يجز على نواجذه متفوهاً : - عطوة قليل الأدب . يسخر الحاج " عُمران " : - يعملها الصغار ويقع فيها الكُبار . أنفض الجمع المُنذهل ، غادر الحاج " عُمران " المحل مُستنداً على العُمدة، كاد العُمدة أن ينكب على وجهه. تغيب عن السوق . تباينت الأقاويل : - يقول " عطوة " : سكن داراً للاستشفاء . يرتل جمال القائم بأعماله حديثاً : اعتكف في الخلاء يغازل السماء ويُلاطف الأرض طلباً للنقاهة . يسُر عم " سيد " المغنواتي : قطن حانة النوبي . أكثرهم تزلفاً أدعى : امتطى حماراً حروناً انقطع لجامه على حافة بئر مهجور .
    نيسان ـ نشر في 2015/11/28 الساعة 00:00